ابن عربي
66
مجموعه رسائل ابن عربي
هكذا عرفوه ، دون اسم ولا إشارة ولا وسم ولا علامة من علامات التمييز التي تعارف الناس عليها ، وتلك أم الدلالات على عظمة الرجل وطول باعه ، وعلى أنه مس الأفكار الراقية ، فأطلق فيها طاقة هائلة من طاقات العمل والقوة ، هزتها في عنف وعزم ورفق ، ووجهتها نحوه في اقتدار . وكانت تلك السمة الأولى من سمات عظمته ، هي شهرة العظمة ، لا عظمة الشهرة ، إذا حاولنا أن نميز عظمة أصيلة من عظمة زائفة ، وإذا علمنا أن عظمة الشهرة وحدها إنما تدفع صاحبها إلى أغوار النسيان إن لم تقذف به مع ذلك إلى الحضيض . فإذا استتمت للرجل العظيم شهرة العظمة ، جمع بينها وبين عظمة الشهرة ، واستحالت تلك التي كانت وحدها بالأمس مصدر توجس وقلق ، إلى لون من البريق الذي يؤازر شهرة العظمة ، فيخلد صاحبه على مر القرون . هكذا كان شيخنا الأكبر ( رضوان اللّه تعالى عليه ) ، عظيما في شهرته ، شهيرا في عظمته . نبعت عظمته من عظمة الآفاق التي ارتادها . ومن عظمة العقول التي شغلت به مؤيده أو معترضه ، لأنها أجمع باحثة عن الحق ، مرتادة للقويم من العلم ، وإن أستنار الطريق أمام بعضها ، واستعصى على بعضها الآخر . ذلك هو الشيخ الأكبر ، أبو بكر محي الدين ، محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد اللّه الطائي الحاتمي المرسي ، المعروف بابن عربي ، وبالشيخ الأكبر . ولد في « مرسية » من أعمال « أند الوزي » إحدى ولايات « الأندلس » المعروفة الآن « بإسبانيا » سنة خمسمائة وستين من الهجرة ، ألف ومائة وخمس وستين من الميلاد ، في شهر رمضان المبارك . كان أبوه رجلا صالحا عابدا تقيا ، يدمن قراءة سورة يس ، وكانت له معها صحبة جربها في دفعة نحو الخير والصلاح . وكان يحث ولده على مسلكه الذي اختاره لنفسه بنفسه . وأمه « نور » . كانت آية من آيات اللّه في التقوى والصلاح والورع . فلم تكن كالنساء تغار على ولدها ممن يصحب من الشيوخ ؛ حتى لقد دفعته دفعا إلى خدمة الشيخة الصالحة « فاطمة بنت المثني القرطبي » ، وكانت الشيخة الصالحة تقول للفتى محي الدين : « أنا أمك الروحية . ونور أمك الترابية » .